ابن الجوزي

149

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

ملك الموصل وقد / نصب صنما ، وأوقد نارا ، وعرض الناس ، فمن لم يسجد للصنم ألقاه في النار ، فقال له جرجيس : اعلم أنك عبد مملوك ولا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك ، وأن فوقك ربا هو الَّذي يملكك وغيرك ، وإنك عمدت إلى خلق من [ 1 ] خلقه لا يبصر ولا يسمع فجعلته فتنة للناس ، فأمر الملك بخشبة فنصبت ، وجعل عليها أمشاط الحديد ، وجرّ عليها حتى تقطع لحمه ، ونضح بالخل والخردل ، فلم يمت ، فضرب في رأسه بمسامير من حديد فلم يمت ، فألقاه في لوح [ 2 ] من نحاس قد أوقدوا عليه فلم يمت ، فقالوا له [ 3 ] : ألم تجد ألم هذا العذاب ؟ قال : إن ربي حمل عني عذابك وصبّرني ليحتج عليك ، فخفه على نفسك وملكك [ 4 ] . فسجنه وضرب في يديه أوتادا من حديد ، وترك عليه صخرة ، فأرسل الله [ 5 ] إليه ملكا فخلَّصه من ذلك ، وقال له : الحق بعدوك وجاهده في الله حق جهاده ، فإن الله يقول لك اصبر وأبشر ، فإنّي قد ابتليتك بعدوك هذا سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرات ، وأردّ إليك روحك ، فإذا كانت الرابعة نقلت روحك وأوفيتك أجرك . فلم يشعروا إلا به على رؤسهم ، فقال له الملك : من أخرجك ؟ قال : أخرجني الَّذي سلطانه فوق سلطانكم [ 6 ] . فمدّوه بين خشبتين وقطعوه نصفين ، ثم قطعوه قطعا ورموا به إلى أسد ضارية ، فلما أدركه الليل جمعه الله عز وجل وردّ إليه روحه ، وأرسل الله إليه ملكا فأطعمه وسقاه وأخرجه ، وقال : الحق بعدوّك فجاهده ، فإذا به على رؤسهم ، فقالوا : هذا ساحر ، ثم سألوه آيات فأظهرها ، ثم قتلوه فعاد حيّا ، فآمنت به امرأة الملك وأربعة وثلاثون ألفا ، ثم قتلوه فلم يعد .

--> [ 1 ] « من » سقطت من ت . [ 2 ] في ت : « في حوض » . [ 3 ] في ت : « يقال » . [ 4 ] في ت : « فخافه على نفسه وملكه » . [ 5 ] في ت : « فأرسل إليه » . [ 6 ] في ت : « سلطانك » .